أحمد بن محمد القسطلاني
3
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس } [ البقرة : 275 ] وأخبر أنهم اعترضوا على أحكام الله وقالوا : البيع مثل الربا فإذا كان الربا حرامًا فلا بدّ أن يكون البيع كذلك ردّ الله عليهم بقوله : { وأحل الله البيع وحرّم الربا } واللفظ لفظ العموم فيتناول كل بيع فيقتضي إباحة الجميع ، لكن قد منع الشارع بيوعًا أخرى وحرّمها فهو عام في الإباحة مخصوص بما لا يدل الدليل على منعه . وقال إمامنا الشافعي فيما رأيته في كتاب المعرفة للبيهقي : وأصل البيوع كلها مباح إذا كانت برضا المتبايعين الحائزين الأمر فيما تبايعا إلا ما نهى عنه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - منه أو ما كان في معنى ما نهى عنه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اه - . ( وقوله ) بالجرّ عطفًا على سابقه ويجوز الرفع على الاستئناف ( { إلا أن تكون } ) التجارة ( { تجارة حاضرة تديرونها بينكم } ) [ البقرة : 282 ] استثناء من الأمر بالكتابة والتجارة الحاضرة تعمّ المبايعة بدين أو عين وإدارتها بينهم تعاطيهم إياها يدًا بيد أي : إلا أن تتبايعوا يدًا بيد فلا بأس أن لا تكتبوا لبعده عن التنازع والنسيان قاله البيضاوي ، وقال الثعلبي : الاستثناء منقطع أي لكن إذا كانت تجارة فإنها ليست بباطل فأوّل هذه الآية يدل على إباحة البيوع المؤجلة وآخرها على إباحة التجارة في البيوع الحالة ، وسقطت الآيتان في رواية أبوي ذر والوقت وابن عساكر . 1 - باب مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ } [ الجمعة : 10 - 11 ] . وَقَوْلِهِ : { لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } [ البقرة : 29 ] . ( باب ما جاء في قول الله تعالى ) أسقط ابن عساكر لفظ الباب وزاد واو العطف قبل قوله : ما ( { فإذا قضيت الصلاة } ) فرغتم منها ( { فانتشروا في الأرض } ) لقضاء حوائجكم ( { وابتغوا من فضل الله } ) رزقه وهذا أمر إباحة بعد الحظر ، وكان عراك بن مالك إذا صلّى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال : اللهمَّ أجبت دعوتك وصليت فريضتك وانتشرت كما أمرتني فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين . رواه ابن أبي حاتم ، وعن بعض السلف : من باع واشترى بعد صلاة الجمعة بارك الله له سبعين مرة ( { واذكروا الله كثيرًا } ) اذكروه في مجامع أحوالكم ولا تخصّوا ذكره بالصلاة ( { لعلكم تفلحون } ) بخير الدارين ( { وإذا رأوا تجارةً أو لهوًا انفضّوا إليها } ) قيل تقديره إليها وإليه فحذفت إليه للقرينة وقيل أفرد التجارة لأنها المقصودة إذ المراد من اللهو طبل قدوم العير ، والآية نزلت حين قدمت عير المدينة أيام الغلاء والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخطب فسمع الناس الطبل لقدومها فانصرفوا إليها إلا اثني عشر رجلاً ( { وتركوك قائمًا } ) في الخطبة وكان ذلك في أوائل وجوب الجمعة حين كانت الصلاة قبل الخطبة مثل العيد كما رواه أبو داود في مراسيله ( { قل ما عند الله } ) من الثواب ( { خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين } ) [ الجمعة : 10 ، 11 ] لمن توكل عليه فلا تتركوا ذكر الله في وقت ، وفي هذه الآية مشروعية البيع من طريق عموم ابتغاء الفضل لشموله التجارة وأنواع التكسب ، ولفظ رواية أبوي ذر والوقت وابن عساكر : { فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله } إلى آخر السورة ، وفي أخرى لهم ذكر الآية إلى قوله : { واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون } ثم قال إلى آخر السورة . ( وقوله ) تعالى بالجر عطفًا على السابق ( { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } ) بما لم يبحثه الشرع كالغصب والربا والقمار ( { إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم } ) استثناء منقطع أي لن كون تجارة عن تراضٍ غير منهي عنه أو اقصدوا كون تجارة وعن تراضٍ صفة لتجارة أي تجارة صادرة عن تراضي المتعاقدين ، وتخصيص التجارة من الوجوه التي بها يحل تناول مال الغير لأنه أغلب وأوفق لذوي المروءات ، وقرأ الكوفيون تجارة بالنصب على أن كان ناقصًا وإضمار الاسم أي إلا أن تكون التجارة أو الجهة تجارة . 2047 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ : " إِنَّكُمْ تَقُولُونَ : إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَتَقُولُونَ : مَا بَالُ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لاَ يُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ؟ وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ الصَفْقٌ بِالأَسْوَاقِ وَكُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مِلْءِ بَطْنِي ، فَأَشْهَدُ إِذَا غَابُوا ، وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا . وَكَانَ يَشْغَلُ إِخْوَتِي مِنَ الأَنْصَارِ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ ، وَكُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا مِنْ مَسَاكِينِ الصُّفَّةِ أَعِي حِينَ يَنْسَوْنَ ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثٍ يُحَدِّثُهُ : إِنَّهُ لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي هَذِهِ ثُمَّ يَجْمَعَ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ إِلاَّ وَعَى مَا أَقُولُ ، فَبَسَطْتُ نَمِرَةً عَلَىَّ ، حَتَّى إِذَا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَقَالَتَهُ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي ، فَمَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تِلْكَ مِنْ شَىْءٍ " . وبالسند قال ( حدّثنا أبو اليمان ) الحكم بن نافع ( قال : حدّثنا شعيب ) هو ابن أبي حمزة ( عن الزهري ) محمد بن مسلم بن شهاب ( قال : أخبرني ) بالإفراد ( سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة - رضي الله عنه - قال : إنكم تقولون إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) بضم أوّل